الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

7

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قال في هذا الخبر : فناداهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « هو ( أي الروح ) جبريل » . وهذا خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش : سلوه عن الروح فإن أخبركم به فليس بنبي وإن لم يخبركم به فهو نبيء » ا ه . وأقول : قد يجمع بين الروايتين بأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد أن أجابهم عن أمر الروح بقوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] بحسب ما عنوه بالروح عدل بهم إلى الجواب عن أمر كان أولى لهم العلم به وهو الروح الذي تكرر ذكره في القرآن مثل قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [ الشعراء : 193 ] وقوله : وَالرُّوحُ فِيها [ القدر : 4 ] ( وهو من ألقاب جبريل ) على طريقة الأسلوب الحكيم مع ما فيه من الإغاظة لليهود ، لأنهم أعداء جبريل كما أشار إليه قوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية [ البقرة : 97 ] . ووضحه حديث عبد اللّه بن سلام في قوله للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين ذكر جبريل - عليه السلام - « ذاك عدوّ اليهود من الملائكة » فلم يترك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لهم منفذا قد يلقون منه التشكيك على قريش إلا سدّه عليهم . وقد يعترضك هنا : أن الآية التي نزلت في أمر الروح هي من سورة الإسراء فلم تكن مقارنة للآية النازلة في شأن الفتية وشأن الرجل الطوّاف فما ذا فرق بين الآيتين ، وأن سورة الإسراء يروى أنها نزلت قبل سورة الكهف فإنها معدودة سادسة وخمسين في عداد نزول السور ، وسورة الكهف معدودة ثامنة وستين في النزول . وقد يجاب عن هذا بأن آية الروح قد تكون نزلت على أن تلحق بسورة الإسراء فإنها نزلت في أسلوب سورة الإسراء وعلى مثل فواصلها ، ولأن الجواب فيها جواب بتفويض العلم إلى اللّه ، وهو مقام يقتضي الإيجاز ، بخلاف الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين فإنه يستدعي بسطا وإطنابا ففرقت آية الروح عن القصتين . على أنه يجوز أن يكون نزول سورة الإسراء مستمرا إلى وقت نزول سورة الكهف ، فأنزل قرآن موزع عليها وعلى سورة الكهف . وهذا على أحد تأويلين في معنى كون الروح من أمر ربي كما تقدم في سورة الإسراء . والذي عليه جمهور الرواة أن آية وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [ الإسراء : 85 ] مكية إلا ما روي عن ابن مسعود . وقد علمت تأويله في سورة الإسراء . فاتضح من هذا أن أهم غرض نزلت فيه سورة الكهف هو بيان قصة أصحاب